السيد محمد حسين الطهراني

25

معرفة المعاد

يابساً يتحوّل إلى هشيم وحطام ورماد . هذا هو مثال وأنموذج الحياة الدنيا التي يتصاعد فيها العلم والقدرة والحياة وسائر الثروات الانسانيّة وترقى إلى أوجها وغايتها ، وتظهر فيها القابليّات وتتخايل في مرحلتها القصوى من الفعليّة ، فتغيّر النطف الباردة إلى إنسان ملئ بالنشاط مشحون بالحرارة والحماس كالنار الملتهبة في الموقد ، ثم تتنازل فجأة من نقطة الذروة والقمّة متهاوية إلى الحضيض ، فتتناقص جميع هذه الصفات وتتضاءل ، ويتهدّد الضعفُ والخمول الانسان من كلّ صوب ، حتى يرد به شيئاً فشيئاً إلى مشارف الموت والعبور من عالم الطبع هذا وتخطّيه . بيد انّه ينبغي العلم انّ هذه المرحلة ليست المحطّة الأخيرة للحياة ، وأنّ مراحل الحياة لن تنتهي عند هذه النقطة ، بل : وَفي الأخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيوةُ الدُّنْيَا إلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ . « 1 » انّ الناس ينقسمون في عالم الروح والحقيقة ، عالم الآخرة الذي يمثّل نتيجة هذا العالم وعاقبته ، إلى قسمين ومجموعتين : المجموعة الأولى : أولئك الذين قنعوا بهذه الأمور الظاهريّة ، فلم يتخطّوا زينة الدنيا وغرورها ، ولم يتجاوزوا الإعتباريّات واللذائذ المؤقتة ، ولم يرتووا من معين الحياة الأبديّة الخالدة ، أو يحظوا بلقاء ربّهم أو يفيدوا من اشعاع صفات جماله وجذباته الربّانيّة ، فلم يكن كلّ ما نالوه الّا سرابًا . ثم زالت اللذائذ الفانية وتصرّمت ، ولم يكونوا قد تزوّدوا من اللّذات الدائميّة ، لذا فان نصيبهم في الآخرة لن يكون غير الحرمان

--> ( 1 ) - الآية 20 ، من السورة 57 : الحديد .